تقرير بحث النائيني للكاظمي

18

فوائد الأصول

الواقع وتنزيل شئ آخر منزلة الواقع ، فان كل ذلك لم يكن ، بل المجعول هو نفس الطريقية والكاشفية والمحرزية ( 1 ) التي كان القطع واجدا لها بذاته والظن يكون واجدا لها بالتعبد والجعل الشرعي ، فهذا هو المجعول في باب الطرق والأمارات .

--> ( 1 ) أقول لا يخفى أن نتيجة الجعل والتشريع تارة إحداث حقيقة الشئ الذي هو منشأ انتزاع مفهومه وكان بنحو يطبق العقل هذا العنوان على المجعول بنحو الحقيقة والوجدان - نظير جعل المسجدية والملكية وأمثالها ، بناء على أن حقايقها أمور جعلية - وتارة ليس إحداث هذه الحقيقة بالوجدان ، فلا محيص إلا أن يكون تطبيق عنوان المجعول عليه بالعناية والادعاء ، لا يتصور ثالث لهذين المعنيين ، لدورانه بين النفي والإثبات . وليس الغرض من تطبيق العنوان وجدانا على الشئ كون العنوان ذاتيا له ، بل الغرض كون هذه الحقيقة عارضا للشئ بالجعل أو غيره من سائر الأمور الاختيارية ، كجعل الجسم أبيضا أو أسودا ، ففي الأمور الاعتبارية كالمسجدية والوقفية - جعلها التشريعي عين تكوينه بانشاء قولي أو بفعل خارجي ، قبال ذاتي الشئ الغير القابل للجعل ولو تكوينا ، ولذا " ما جعل الله المشمشة مشمشة " بل أوجد الذات الواجد لهذه الحيثية بذاته . إذا عرفت هذه المقدمة نقول : إن الغرض من تشريع الإحراز وإلقاء احتمال الخلاف المساوق لتمامية الكشف : إن كان بنحو يحكم العقل بتطبيق هذه العناوين على المجعول بنحو الحقيقة والوجدان ، ففساده أوضح من أن يخفى على أحد ، وإن كان الغرض أن نتيجة التشريع تطبيق العقل هذه العناوين على المجعول بالعناية والادعاء - كجعل الحياة والممات لزيد - فهو في غاية المتانة ولا يتصور في البين الثالث ، لما عرفت من دورانه بين النفي والإثبات . وإذا كان كذلك فلا شبهة في أن ادعاء شئ لشئ يحتاج إلى النظر إلى جهة أخرى مصحح لهذا الادعاء ، فربما يكون الغرض من ادعاء العالمية احترام الناس له ، ففي هذه الصورة لا يترتب عليه عمل لعلمه هذا ، فلا محيص في ترتب هذا الأثر من كون النظر في هذا الادعاء إلى لزوم عمله عليه على وفق علمه الوجداني ، فبالأخرة ينتهى إلى الأمر بالمعاملة ، فتشترك الأمارة مع الأصول في ذلك وفى قيامها مقام القطع في الجهة الثالثة . نعم : الفارق بينهما هو أن الأمر بالمعاملة في الأصول مجعول بدوا ، وفى الأمارة مستكشف من جعل الإحراز بدوا بانشائه أو إمضائه . وحينئذ فالغرض من قيام الظن مقام العلم إن كان هذا المقدار فلا بأس به ، لكن معلوم أن هذا المقدار لا يكون ملزما للعمل لولا استكشاف الأمر بالمعاملة منه - كما أشرنا إليه - فالذي يوجب قيام الظن مقام العلم الطريقي في هذه الجهة هو الأمر بالمعاملة لا تتميم الكشف محضا ، كما هو الشأن لو قلنا بتنزيل المؤدى منزلة الواقع ، إذ المقصود أيضا الأمر بالمعاملة مع ما أدى إليه الظن معاملة الواقع ، ومرجع هذا الأمر والعناية المزبورة أيضا إلى إبراز الإرادة الواقعية بهذا الإنشاء ، كما هو الشأن في لسان تتميم الكشف ، بل ومثل ايجاب الاحتياط الذي لا عناية فيه أصلا ، فمبرزية هذه الخطابات عن الواقع إنما هو بهذا المعنى ، لا بمعنى تتميم الكشف أو التعبد بالمؤدى الذي هو مفاد الخطاب .